السبت، 10 سبتمبر 2011

قــهــقــهــة




أحمد عبد الحسين
سئل الحسنُ بن عليّ:
مَنْ أفصحُ العربِ؟
فقال:
ذلك الذي يقول: "فضحَ الموتُ الدنيا".
ليس أفصح من هذه العبارة ولا أدقّ ولا أعمق للكلام عن الموت. الموت فضيحة، هذا الرجل الذي ينشغل اليوم بشؤونه انشغالَ من يحدّث نفسه بخلود الأبد، ستطرف عيناه طرفة واحدة فإذا هو في واد سحيق من اللاشيء، غور مثير للدوار يفتحه ذكرُ الموت، ضحكة هستيرية تدور على الناس ولا أحد يعلم متى سيسمعها لأول وآخر مرة فيغدو لا أحد بعد أن كان جسداً حياً يختزنُ أحلاماً وآمالاً ومشاريع وأحقاداً ومؤامرات ومتعاً ولذائذ وهموماً وكثيراً من الوهم الذي زيّن له فكرة انه خالد.
كلّ ما في الإنسان يقنعه يومياً أنه خُلق للخلود، ليبقى، لكنّ هذه مكيدة، هذا هو الفخّ الذي ينصبه لنا أحد ما من أجل أن يضحك علينا في الأخير، أحد ما، لعله الموت نفسه يريد أن تكتمل فضيحتنا، أن تنضج ملياً فيزيد من أوهامنا بالخلود كلّ حين. والخدعة محبوكة بعناية فائقة بدليل اننا جميعاً نُساق إليها طوعاً دون تدبّر.
شيء شبيه بالخيانة، لأن لنا عقداً واتفاقاً مع أنفسنا أن نحيا أبداً، لكننا نفاجأ يومياً ان هذا العقد كذوب أمضيناه مع شخص كذوب "مع أنفسنا ربما؟" يوقع عقده بيد ويمزقه بيد أخرى، اليد التي تهب حبّ البقاء هي اليد التي تقطف، والزارع لم يكن يزرع إلا ليحصد، سقانا حتى ارتوينا قبل أن يقول لنا بصلافة الموت ان ما شربناه كان سماً زعافاً.
فيّ رغبة أن أغطي وجهي خجلاً عند كلّ نبأ موت، هذه القوّة التي لا رادّ لها تأبى إلا أن تفضحنا على الملأ، آدم الذي أكل من شجرة المعرفة انتبه إلى فضيحته وصار يخصف من ورق الجنة ليغطي سوأته التي لن يغطيها شيء بعد الآن، ونحنُ ـ أبناءه ـ نفتَح كلّ يوم أعيننا على فضيحة جديدة، على معرفةٍ تتكرر وننتبه على سوءاتنا التي هي ليست سوى حيواتنا الخلّب وقد جعلها الموت ركاماً من الوهم.
الخميس الفائت مات صديقي هادي المهدي، قبلها بساعات كان يحدثني عن مشاريع مسرحية، عن قصائد يريد مسرحتها، عن سفرة له إلى باريس، عن ضرورة التمسّك برمق الحياة حتى في جهنم بغداد، عن الحياة كان يحدثني، والموت كان يبتسم، اتسعت ابتسامة الموت حتى صارتْ قهقهة مساء الخميس.
صديقي منذ ثلاثين عاماً، بدأنا أنا وإياه رحلة الوهم شعراً ومسرحاً، في بغداد ودمشق ثم بغداد مرة أخرى وقد أصبحتْ أطلالاً، حياة كانت دافقة ملؤها وهم الخلود، انطفأ أخيراً في بيته برصاصة واحدة من وحش آدميّ يتوهّم هو الآخر انه خالد وان الموت بعيد عنه، لكن موته يبتسم له الآن وسرعان ما ستتحوّل ابتسامته إلى قهقهة.
أيها القاتل يا أخي في الفضيحة، يا من صوّبت رصاصتك إلى رأس صديقي.. اصغِ إلى هذه الضحكة المجلجلة، اصغ إلى فضيحتك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق