السبت، 10 سبتمبر 2011

القتلة يزأرون في جرار كهرمانة .. من يوقفهم !!

 محمد غازي الاخرس



العراق منبع المخاوف ومهد الرعب ؛ خطرت هذه العبارة في ذهني وأنا ألتحق ، صحبة أحمد سعداوي ، بمشيعي هادي المهدي صباح الجمعة الحزينة . كان الأخيرون قد توقفوا عند ساحة كهرمانة ، خلفهم الجرار تخبيء اللصوص وأمامهم تابوت رمزي يضم روح هادي ، كانت قوات الأمن كثيفة وهو ما أشعرني بالاطمئنان مؤقتا ، لكنني سرعان ما عاودت النزول لكهف مخاوفي وأنا أمشي . خيل إليّ أنني سائر لحتفي وأن قاتل هادي ينظر لي من ثقب إحدى الجرار ليحفظ شكلي ؛ عندما كنت فتيا حلمت ، مرة ، أن قاتلا رماني برصاصة ومتّ وحين سألت أحدهم عن تأويل ذلك قال لي ـ عمرك طويل . بعد ذلك بسنين وضع شرطي أردني المسدس في رأسي وهددني بتفجيره ، كان يريد تخويفي كي لا أهرب منه فقد قبض عليّ متلبسا بـ"جرم" تجاوز مدة الإقامة الشرعية . كان الأمر مجرد مزحة من قبله ربما فهو يريد تخويفي كطفل لكنني مع ذلك ارتعبت من ملمس فوهة المسدس لرأسي وهمست ـ مخبل انهزم !! قادني كالكبش إلى الزريبة ، السجن ، حيث سأتعرف لرجل "أزعر" متهم بجريمة قتل . سألت أحدهم عن جريرته فأخبرني بذلك ثم أردف ـ لكنه طيب!
هل يمكن أن يكون القاتل طيبا ؟ سؤال لا يتوقف عن مراودتي مصحوبا بمشاهد مثل هذه ؛ قاتل يذهب إلى المطعم بعد قتله أحدهم ثم يتناول الكباب أو الباجه ، وفي الطريق إلى البيت لا ينسى أن يفرح زوجته بعلبة حلويات أو أطفاله بكيس مليء بالفواكه . ليس هذا المشهد هو الوحيد الذي يحيّرني فأنا أفترض غالبا أن كثيرا من القتلة يصلون ويصومون ويتصدقون ويتضرعون ليلا والناس نيام مثلما أفترض وجود قتلة من نوع آخر يعشقون الأغاني ويرهفون السمع لداخل حسن وعفيفة اسكندر ويوسف عمر وام كلثوم ، بل أن بعضهم قد يبكي على زميل له يقتل في مواجهة مع قوات الأمن ويذهب لقبره في العيد ليقرأ عليه سورة ياسين .
الإرهابيون هكذا ، القتلة العاديون هكذا أيضا . إنهم قد يبدون طيبين بنظر من يعاشرهم ؛ حين عاشرت القاتل الأردني لثلاثة أيام خيل إلي أنه "طيّب" ، فقد كان يحدب عليّ ويؤثرني على نفسه أثناء الطعام ، كان كريما معي وسمحا بشكل مبالغ به . بعد أن توثقت علاقتي به سألته عن ذلك فقال ـ أنتم العراقيين رفعة رأس !
أجل ، نحن كذلك يا صاح والدليل ما تراه إن كانوا أبقوا الذي فيه عيناك على رأسك حتى الآن ؛ لقد بتنا نخاف من أنفسنا على أنفسنا ونراقب أنفسنا كي لا نؤدي بأنفسنا إلى الهلكة ، صرنا نمشي ونتلفت ، نكره السيارات المركونة والبطون المنفوخة ، فلعل تلك مفخخة وهذه محزمة بالتي ان تي ..
ـ تييييييي ..!! هكذا كان يصرخ جدي وهو يرى ما لا يروقه من الآخرين ؛ ينظر لي وأنا أكبس السيجارة مثلا فيصرخ متهكما ـ تيييي، يسمع صافرة الانذار أيام حرب أيران فيصرخ ـ تيييييي ..ربحنا!!!
لا أدري كيف سأعود لما ابتدأت به يا أصدقائي فأنا ، في الواقع، أهذي . لقد أصابتني حمى من نوع جديد أسمه اللصوص المتوارون في جرار كهرمانة . لماذا لا يخرجون يا إلهي ؟ إنهم مخبوءون فينا، في جرارنا، منذ آلاف السنين. كهرمانة تعبت ويكاد زيتها ينفد وهم مصرون على مراقبتنا من باطن الجرار. لا وجوه لهم، لا ملامح تميزهم ، ومع هذا نحن لا نتوقف عن رؤيتهم يتجولون بيننا، فينا ، تحت جلودنا ، بل خلف أوهام طيبتنا التي تلفحها شموس الحقيقة بين يوم ويوم فتزأر ، الجرار عميقة والأصوات التي تنبعث من بواطنها إنما هي أصواتنا .
ـ تيييييي !!! عذرا يا كهرمانة ، زيتك لا ينفع معنا .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق