محمد غازي الاخرس
لم أجرب يوما أن أكتب مقالة وأنا أبكي لكنني أفعل الآن متخيلا أنك ستقرأها يا هادي المهدي. هل ستقرأها ؟ هل يقرأ الموتى رسائلنا؟ أنت أفضل من يجيب عن هذا السؤال والدليل أنك جسدت ذلك في " بروفة في جهنم " حين أحظرت ميتا قديما
محمد غازي الاخرس
لم أجرب يوما أن أكتب مقالة وأنا أبكي لكنني أفعل الآن متخيلا أنك ستقرأها يا هادي المهدي. هل ستقرأها ؟ هل يقرأ الموتى رسائلنا؟ أنت أفضل من يجيب عن هذا السؤال والدليل أنك جسدت ذلك في " بروفة في جهنم " حين أحظرت ميتا قديما ، بشكل ساخر، لبنيه ثم أدرت بينهم حوارا يفطس من الضحك . نعم ، أنت ستقرأ مقالتي كما كنت تفعل دائما ، لكنك هذه المرة لن تربت على كتفي معجبا ، فقد غبت إلى الأبد كما غاب كامل شياع قبلك وظلت في القلب حسرة أن أراه ولو لدقائق ، ستغيب كما غاب أخي وكما غابت أمي وأبي وسيكون عليّ انتظارك في عالم المنام لتزورني كشبح حتى إذا حدث ذلك استيقظت وأنا أقول لنفسي ـ خرب حظي ..طلع حلم !
رؤية الموتى في الأحلام مثل شرب مياه مالحة ، وهل المياه المالحة تطفئ الضمأ يا هادي ؟ نعم ، ستتحول إلى حلم يا صديقي كما قال نصير غدير بعد مقتلك بقليل . لقد كتب : كان صديقاً وأصبح حلماً لا يُرى . قال أنه مشتاق إليك أيضا، وهو محق في ذلك، فنحن الأحياء سرعان ما نشتاق لمن نفقد حتى لو لم نكن معتادين على رؤيتهم كل يوم . ما أن يرحل أحدهم حتى نشتاق له ونتمنى لو أنه حي الآن فنزوره في بيته أو نلتقيه في المقهى.
أنا أيضا اشتقت إليك يا هادي ، اشتقت لضحكاتك وقفشاتك وطرائفك التي لا تتوقف، اشتقت للمشاهد المذهلة التي لا تتوقف عن تخيلها وأنت ترسم مسرحياتك رسما . اشتقت إليك، لمعاركك وعدم رأفتك بنفسك ، اشتقت لسخريتك من المخاوف التي تنخرنا ، نحن الجبناء ؛ اشتقت إليك وأنت في يومك الأول نحو قارة الغياب المعتمة فكيف بي بعد ذلك ، كيف بي وأنا أتذكر قهقهتي الكبرى أيام "بروفتك" المرعبة في المسرح الوطني . كانت مسرحية لا تنسى وهي لن تنسى .
أتعرف يا هادي أنني كنت أهيئ نفسي للقائنا الذي اتفقنا عليه، نعم ، لقد هيأت أفكاري عن الأفلام الوثائقية التي أردت أن نتعاون لإنجازها لإحدى القنوات الفضائية ، كنت سآتيك لشارع المتنبي بدل أن أذهب لتشييعك في اليوم نفسه. أهذه واحدة من مفاجآتك يا صديقي !!
الحق يا هادي أنني لا أريد تقليب مواجعك لكن أصدقاءك حزانى وغاضبون وقد كتبوا لك آلاف الرسائل التي لا يتوقع أحد أن تصل في فوضى العراق لأصحابها ، وهم على يقين أن قتلتك حينما قتلوك إنما أرادوا جعلك عبرة لمن يعتبر، وأن وراء الأكنة ما وراءها.
عذرا لكنني سأستغل الفرصة فأبثك ما اسشعرناه جميعا بعد قتلك؛ هناك من يريد اغراق الشوارع بدمائنا ، هذا ما نعتقده ، كما أننا على يقين بأن توقيت قتلك محسوب بدقة ليكون سببا في جعلها "عامي شامي". نعم يا هادي ، من قتلك يريد قتلنا جميعا ، ليس هذا رأيي فقط بل رأي أغلب محبيك . انهم خائفون يا هادي ولكن مطمئنون أيضا لمصيرهم طالما اختاروا أن يقولوا لا أن يصمتوا. إليك ـ مثلا ـ ما كتبه أحد أصدقائك المقربين ، لقد كتب يقول : "هادي.. يبدو انك تنام قرب بيتي في باب المعظم هذه الليلة، في طبنا العدلي، آخر ما اتذكره منك قولك ، الدنيا مالتنا، اللذة والجمال في العالم ملكنا وليس في وسع احد ان يسلبها منا ، لم يسلبك احد جمال الكون، انت في ذروة السحر شاهدا على أعداء الجمال.. ونحن على الاثر.. على الاثر" .
هل وصلت الرسالة يا هادي ؟ زرني في المنام وأخبرني ، فإن لم تصل سأكتب واحدة أخرى ، فإن لم تصل أكتب أخرى ، فإن لم تصل أكتب أخرى . قبلاتي لرأسك المدمى .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق