الأحد، 11 سبتمبر 2011

رسالة إلى هيوا هادي المهديّ



أحمد عبد الحسين

ابني الحبيب هيوا
لم تتح لي فرصة أن أراك منذ ثلاثة عشر عاماً، أنت مع عائلتك غادرت دمشق إلى الدنمارك، وأنا بعدك إلى كندا، لكني حين كنت في تورنتو كنت حريصاً على الاتصال بك عن طريق الماسنجر أو التلفون أحياناً لتبقى تتذكرني، فأنا ـ ربما كررت على مسامعك هذه الحكاية ـ سبب في مجيئك إلى الدنيا، لأني أنا من عرفتُ أمك إلى أبيك، فجئتَ أنت ثمرة حبّ كبير بينهما.
ثلاثة عشر عاماً، لم تزل في خاطري ذلك الطفل الذي بكى مرة الليلَ بطوله لأنه أراد تلك الكرة المضيئة في السماء، كنت تريد القمر لتلعب به، ولم يكن أمامنا إلا أن نفهمك دون جدوى أن القمر بعيد جداً ولا يمكن لنا لمسه باليد.
أتذكر حين ولدتَ، في السليمانية كنت أنا هناك أيضاً، كنت مدهشاً جميلاً بشكل لا يوصف، وجدتُ نفسي أكتب عنك قصيدة أسميتها "هيوا" ونشرتْ في ديواني الأول، قالتْ لي أمك انك تحفظها، وبعد ثلاثة عشر عاماً صرتَ أنت الآن شاعراً، لكنك تكتب بالدنماركية وبالانكليزية. قرأ لي أبوك قبل أسابيع بعض قصائدك التي تغنيها مع فرقتك الموسيقية، إنها رائعة.
ابني الحبيب
حين كنت صغيراً كنت تتكلم الكردية والعربية معاً بطلاقة، فيك جزء من أمك وآخر من أبيك، والآن أنت تتكلم لغتين عالميتين أيضاً، أنت مثال لإنسان العالم الجديد الحرّ، انتماؤك لإنسانيةٍ أعمق وأكبر من كل الهويات الوطنية والدينية والمذهبية التي نتصارع نحن هنا من أجلها ويقتل بعضنا بعضاً.
من أجل هذه الإنسانية المتحررة من أوهامها كان أبوك هنا يجالد وحوشاً مرعبة ويصارعها بلا هوادة، صنع منك ما يريد، وأراد أن يصنع من آخرين نماذج على مثالك، لكنه لم يستطع، ولن نستطيع ذلك نحن أيضاً. العنف هنا كبير يا ابن أخي، هنا جيوش متوحشة لم تقرأها في كتاب ولم تزرك حتى في كوابيسك، نحن نطارد هوياتنا الهاربة من كتاب تأريخيّ أصفر إلى كتاب أكثر اصفراراً، لا شأن لنا بالحياة، فعالمنا هنا يحكمه الموتى يا ابن أخي، الأموات هم الآمرون الناهون، وباسمهم يتكلم أناس غامضون يكنزون الأموال ويقتلون كلّ من يهدّد سلطانهم وثروتهم.
صعب عليك أن تفهم هذا، أنا نفسي لا أفهم الأمر تماماً، لا أفهم شعوباً تتقاتل من أجل عقيدة، لبعض الشعوب منطقها غير العقلانيّ بالضرورة لكنه منطق متماسك ومتناغم مع ماضيهم الذين يريدون أن يكون مستقبلهم أيضاً.
سمعتُ من أمك أنك تريد المجيء إلى بغداد للبحث عن قاتل أبيك، قلت لأمك وأقول لك الآن: لا تأتِ يا ابن أخي، لا تأتِ، لا تقربْ من هذه الأرض، ما زلت شاباً معافى وتعبّ الحياة الدافقة في وطن يصلح للإنسان، عشْ كما أراد أبوك لك أن تعيش، اكتب وغنِّ واعشقْ، كان هادي يقول ان القتلة لن يستطيعوا سلب حبنا للحياة والجمال، وأنت في وطنٍ يحضّ على حب الحياة والجمال. فلا تأتِ إلى هنا أبداً. لا تأتِ.
أحبك كثيراً. انتبه لأمك وأخيك "نالي" وكن رجل البيت بعد أبيك.
عمك : أحمد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق