الأحد، 11 سبتمبر 2011

رسالة من هادي المهدي : لن تصدقوا ما أرى حتى تروا

خاص لـ كتابات هادي المهدي يعاود الكتابة في كتابات رغم استشهاده المعلن .. سلسلة مقالات جديدة بقلم هادي المهدي
رسالة من هادي المهدي : لن تصدقوا ما أرى حتى تروا
كتابات - هادي المهدي
أهلاً أصدقائي .. لقد أخفتكم هذين اليومين أليس كذلك؟ بعضكم قال:"هادي مسبب المشاكل حياً وميتاً"، ضحكتُ كثيراً حين سمعتها أمس في المقهى، أعتذر لأني أحزنتكم، أنا نفسي حزين رغم بحر الراحة الذي أسبح به الآن، رغم شعوري بالتخفف من أعباء ثقيلة جثمتْ على قلبي منذ 45 سنة، أتذكر الآن صديقي كونديرا في "خفة الكائن التي لا تحتمل"، كنت أحب هذا الكتاب.
هل أنا ميت؟ أعتقد ذلك لأني مررتُ بكم أمس في ساحة التحرير ورأيتكم ترفعون صوري، وتهتفون باسمي، كلمتكم فلم تجيبوني، صرختُ بكم فلم تنتبهوا، طلبت مكبر الصوت من علي الجاف فلم يعطني إياه، سألتُ بسام "لماذا العدد قليل" فأدار وجهه عني، وضعتُ يدي على كتف علي السومري لكنه كان يبكي، ساعدت أحمد البغدادي في حمل التابوت الذي كانت عليه صورتي، لوحتُ لنصير غدير كانت عيناه في عينيّ ومع ذلك لم يعرني انتباهاً، استفسرت من أحمد عبد الحسين عن سرّ زعل نصير مني فرمقني أحمد بنظرة لم أفهمها، ومضى لسبيله، حتى شمخي جبر الذي كان يهتف "يا هادي يا هادي" تركني حين اقتربتُ منه.
عرفتُ بعد أن انقضتْ مظاهرة التحرير أول أمس انني ميّت، وتذكرتُ كلّ شيء "الذاكرة تعمل هنا لكنْ بطريقة عجائبية لا يمكن وصفها" آخر لحظة لي في الحياة حين كنت ـ مثلكم الآن ـ ثقيلاً ومليئاً بالهموم والأعباء، كنت في مطبخ بيتي وكان عندي ضيوف توجستُ منهم شراً، انقبض صدري حين أتوا لكني مع ذلك أدخلتهم، فهم معارفي على أية حال ولا بدّ من إكرامهم .لا أذكر ساعتها أين رأيتهم لكني أعرفهم الآن وأعرف أسماءهم "هل تريدون أن أسميهم لكم؟ .. لا، اصبروا ليس الآن" دخلوا كلموني عن المظاهرات ونصحوني أن لا أتظاهر يوم غد، استغربتُ في البداية قلت لهم أنا دعوت الناس للمظاهرة فكيف لا أخرج غداً؟ قالوا لي " أنت فنان ومسرحيّ فما شأنك بالزعاطيط المتظاهرين"، لا أذكر ما قلته بالضبط لكني ابتسمتُ ورددتهم بلطف على غير عادتي، قلت لهم هؤلاء هم ملح العراق، سألتهم من أرسلكم إليّ؟ قالوا أرسلنا "...." وهو يريد خاطرك وقال لنا أن تطلب ما شئت، هل تريد وظيفة؟ سمعنا انك تبحث عن عمل، تعيينك مسألة بسيطة، نحن نعرفك أنت من عائلة مناضلة، كنت منفياً زمن صدام، نستطيع مساعدتك، لكن لا تلوث اسمك مع هؤلاء الغوغاء". قلت سلموا لي على "..." لكن قولوا له اني سأخرج غداً لأن هناك خللاً كبيراً يجب الوقوف ضده. كانوا يبيتون أمراً، عرفت ذلك من خوفهم، كانوا خائفين مني، أحدهم وهو يحرك يديه برز من تحت سترته مسدس، ازداد خوفي لكن خوفه كان أكبر، حدست بذلك، قلت في نفسي ان هؤلاء جاءوا لتهديدي فقط، لتخويفي، فلأكن أكثر رباطة جأش منهم. سألتهم ماذا تشربون؟ كنت أعاني من حرقة في المعدة وأردت أن أشرب اللبن الذي كان على المائدة، صاحب المسدس طلب كوب ماء، قلت له مازحاً :"عندي بيرة باردة إذا أحببت" وضحكت، لكنه لم يضحك، بل أظهر أسنانه الصفراء بالكاد وهو يتصنع ابتسامة خوف، الآخران نهضا، لكن صاحب المسدس أشار لهما بالجلوس، قائلاً "ليس الآن"، ظننتُ انهما يهمان بالخروج، فقلت لهما "فعلاً ليس الآن اشربوا الماء على الأقل"، وذهبت إلى المطبخ.
هل شعرتم يوماً بأن عيناً تراقبكم لأحد ما ليس حاضراً معكم بالضرورة، عين خفية تثقب جماجمكم عن بعد؟ هذا ما أحسست به في الطريق من غرفة الاستقبال للمطبخ، هتف بي هاتف انك ستموت، لكنْ كان الأوان قد فات، لم اشعر إلا وأنا على أرضية المطبخ وقد أمسك بي اثنان منهم وطلب صاحب المسدس مني أن أجثو على ركبتيّ، وقع من يدي الكأس الذي كان فارغاً لم أملأه بعد، وتشظى قطعاً صغيرة، جثوتُ على شظية كأس فشعرت بألم في ركبتي، صرختُ ما الذي يحدث؟ أرجوكم لا، لم أقو إلا على قول كلمة واحدة مختصرة هي "لا" كررتها مراراً، قال لي صاحب المسدس: هذه هدية من ..... "، لا تسألوني عن اسمه رجاءً". وبلمح البصر نزلتْ على العالم ستارة سوداء. لحظات ألم قليلة، ثم سكن كلّ شيء.
صفاء كامل، وصمت مطبق تقطعه أغنية لم اسمعها من قبلُ، أغنية لا تقال بالكلمات، عليكم أن تسمعوها لتعرفوا كم هي عميقة. على المرء أن يكون شاعراً إذا أراد أن يموت ليستطيع إيجاز هذه الرحمانية وراحة البال. لا شيء يحدّني الآن حتى ولو كان مصنوعاً من لا شيء، كلّ شيء نور، أعرف الآن أكثر من ذي قبل، لم أعد بحاجة إلى فم لأنطق ولا إلى أذن لأسمع، ولا إلى عين لأبصر، ولذا حين نظرت إلى هذا الجسد المسجى أمامي، إلى الدم النازف من الجثة، عجبتُ كيف صبرتُ كل هذه السنين داخل هذه الكتلة من اللحم والعظام والأمعاء، كنت سجيناً وتحررتُ، نظرتُ إلى وجوه هؤلاء وقد شحب لونها وغدتْ مصفرّة، هتفت بهم، كانوا منشغلين بمكالمة أحدهم، قال صاحب المسدس وهو يكلم رجلاً من هاتفه "الولد نام"، ضحكتُ لأن الشيفرة بينهم كانت بمثل هذه السذاجة.
هل هذا هو الموت الذي كنت أخشاه؟ إنه ـ صدقوني ـ لاشيء بالقياس الى الألم الذي رأيته في الحياة، والألم الذي تعانونه الآن.
أريد أن أسرد لكم المزيد عن حالي، لكنّ أصواتاً لطيفة تدعوني، آه، إني أراهم الآن بوضوح يشقون الضباب ويقبلون نحوي، أناس كثيرون، رجال ونساء أحاطوا بي الآن، هذا أبي، أخي الشهيد الذي أعدمه صدام، زوج اختي، وهذا صديقنا كامل شياع يبتسم، آخرون يمسكون بيدي ويدخلونني في نورٍ لا يمكن أن يوصف. لم أعد قادراً على الكلام.
سأحرص على الكتابة اليكم كلما استطعتُ ... لكني سأنسحب الآن فالمشهد هنا .. ماذا أقول؟ لن تصدقوا ما أرى حتى تروا. إلى لقاء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق