الاثنين، 12 سبتمبر 2011

هل من مزيد ؟

شعلان شريف
ها أنا في بغداد مرة أخرى بعد غياب طال أكثر من عامين.. في المرة الأخيرة قضيت أياماً لا تنسى معك يا هادي في شقتك الهادئة التي تملؤها بصخبك.. بأحلامك ومشاريعك المسرحية... بمعاركك المتواصلة في أكثر من اتجاه. ها أنا في بغداد مرة أخرى.. قادماً من أقصى الشمال البارد المستريح.. مررت بالجنوب الساخن الحزين وقضيت فيه أياماً تزودت فيها بطاقة الحب وقوة الألم. حدقتُ ملياً في الخراب الذي لا يزال خراباً.. وفرحت بكل ومضة تضيء خرائب البصرة والناصرية.. ها أنا مرة أخرى في بغداد.. الهواء عذب رغم الحرارة، والشوارع أنظف قليلاً مما تركتها عليه قبل عامين ووجوه البغداديين أقل توتراً وأكثر إقبالاً على الحياة..
ها أنا في بغداد مرة أخرى.. سألتقيك وألتقي أصدقاء كثيرين هم الجذوات المشتعلة تحت رماد يرسم خارطة البلاد وهم الجذوات المشتعلة في روحي الهاربة من زمهريرها ومن شتاءاتها الطويلة. سأقترب من شظايا معاركك التي كنت أتابع فصولها الصاخبة من بعيد..
سأقترب من شتائمك الغاضبة توزعها على كل من لا يريد لبغداد أن تعود إلى الحياة. شتائمك التي طالت آلهة الخراب وطال رذاذها حتى من لا يؤمن بالآلهة. سأقترب من أصدقاء يقاومون الخراب والقبح بإصرار اسطوري على الحب والجمال.. سأعتذر أمامهم بصمت عن حياتي الرتيبة المستريحة في منفى بارد وأنيق. سأحذرك بمحبة من الأخطار التي تحيق بك وأعرف أنك لن تنصت لتحذيري، وفي داخلي شيء من الغيرة من كل هذا الجموح الذي يدفع خطاك نحو المواجهات الكبرى.
ها أنا في بغداد مرة أخرى.. متلهف لمعانقة الحياة..
الحياة تكون أوضح وأعمق وأصدق حين يحيط بها الموت من كل جانب.. الحياة هنا واضحة كصرخة محتضر وعميقة كطعنة تصل حدود القلب وصادقة كقبلة عاشق على جبين معشوقة قتيلة قبل دفنها. ها أنا في بغداد مرة أخرى.. مساء الخميس هذا سيكون صاخباً بالتأكيد.. أصوات تحتدّ في النقاش.. ذكريات تخرج من كهوف الروح لتضيء كهوف الحاضر.. ثمالة تفك حبسة اللسان وتترك للعواطف الجامحة أن تصهل بين أطلال المدينة المفقودة.
تأخذني السيارة الصفراء من "النهضة" إلى "أبو نواس" حيث سيبدأ المساء الصاخب في بيت "عماد". أهاتف "أحمد": وصلت بغداد وأنا في طريقي.. يرد: الحمد لله على السلامة.. سنقضي وقتاً رائعاً. أتطلع في الشوارع بحثاً عن ومضة تمدني بالأمل.. أبحث عن اسباب لتفاؤلي فأرى مجموعة شباب بملابس جميلة وقصات شعر حديثة يتضاحكون.. أمر بمقهى تنبعث منه موسيقى راقصة.. أتصل بأحمد مرة أخرى.
وقد وصلت بي السيارة إلى أبو نواس. يرد بصوت منكسر: هل سمعت بالخبر؟ ماذا؟ هادي المهدي... ما به؟ مات .. قتلوه في بيته!
ما أقساك يا بغداد! أبهذا تستقبلين عشاقك العائدين إلى أحضانك التي غاب عنها الحنان؟
يا هادي.. قبل عامين كنت قريباً منك وأنت تعيش "بروفة في الجحيم".. وها أنا في بغداد مرة أخرى... لأراها وقد رسخت أقدامها في الجحيم ولا تريد أن تفارقه..
لأراها وهي تلتهم الناس والحجارة وتصيح: هل من مزيد؟
يا هادي.. لقد حدقتَ أنت بكل ما في بصرك وبصيرتك بأعماق الجحيم.. أنصتّ طويلاً لنداء النار: هل من مزيد؟ فرميت نفسك في أعماقها.. وتركتنا نتقلب على سطحها.. كأنك تدرك أنّ الأعماق أكثر رحمة من السطح. لسنا وحدنا من يتقلب على سطح الجحيم يا هادي..
قتلتك يشاركوننا هذا التقلب في النار.. لكنهم لا يعرفون رحمة الأعماق.
* شاعر عراقي مقيم في هولندا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق