علي السومري
مثقف حاول على الدوام قضاء آخر ما تبقى من حياته المضطربة على أحسن حال، انغمس منذ عقود في الهم الثقافي، وبالأخص المسرح، عالمه الذي أجاد فيه وأبدع، لكن دفق الطاقة التي تغمر روحه لم يكن يسعه هذا الفن، فخاض غمار السياسة ليقطف ثمارها إعدام البعض من عائلته المنتمين لحزب الدعوة زمن الطاغية، أنه هادي المهدي، الكائن المشاكس على الدوام والخجول مثل طفل حين تنبهه الى أخطائه، العراقي الذي ترك جنة المنفى بعيد سقوط الفاشيست العام 2003 عائداً إلى وطنه، عودة انتهت بتلقيه رصاصة غادرة في رأسه من الخلف في منزله بمنطقة الكرادة قبل أربعة أيام.
(المهدي) الفنان والناشط المدني، كان من القلة الذين يفكرون بصوت عال، كاتباً كل ما يجول بخاطره على صفحته الخاصة في عالمنا الافتراضي – الفيس بوك – فضلاً عما كان يتحدث فيه إلى القنوات الفضائية، معرباً في أغلبها عن خيبته الكبيرة لما وصلتْ الحال إليه في العراق، وطنه الذي تناوشه القتلة الارهابيون سواء من تأبط سلاحه او أولئك الذين كانوا يجيدون اختيار ربطات العنق الأنيقة.
أغتيل (المهدي) ليكتمل المشهد الأخير من نبوءته، بعد أن ردد طويلاً بأن عمره سيكون قصيراً في هذه الأرض التي تقتات على لحم محبيها، الراحل وبالرغم من الجدل الذي أثاره في الكثير من مواقفه، إلا أنه تمكن من أن يوصل رسالة حقيقية للجميع بانه مؤمن بما كان يقوله، طامحاً للعيش بعراق جديد يحترم ويقدس الاختلاف، إلا إن القتلة الموتورين لم يعجبهم كم الصراحة في كلماته، فقرروا أن يردوه قتيلاً في لحظة كان يهم بها تقديم واجب الضيافة لمن ارداه برصاصة باردة.
كيف يمكنني الكتابة عن (المهدي) الذي رافقني في محنة اعتقال مُهين بُعيد انفضاض تظاهرة الخامس والعشرون من شباط المنصرم مع زملاء آخرين، صورته وهو مرمي قربي في صندوق سيارة عسكرية لا يقوى على التنفس لا تفارق رأسي إلى اليوم، محنة تحدثنا عنها آنذاك بصراحة لنكشف هول ما عانيناه بلا سبب، تحدثنا لأننا أردنا أن يكون عراقنا الجديد مختلفاً عن عراق البعث الغابر، وأن لا يندس من يمتلكون هذه الثقافة إلى مفاصل الدولة.
صدمة اغتيال صديقنا (المهدي) ما زالت حتى كتابة هذا الاستطلاع موجعة، لا لأنها غير متوقعة، وإنما لأنها كانت كما توقعنا جميعاً.
أغتيل الراحل يوم الخميس الماضي، قبل ساعات من انطلاق تظاهرات مشروعة كانت ستطالب بالمزيد من الحريات وعدم تكميم الأفواه، وانهاء الاعتداءات الخارجية على حدود اقليم كردستان، وإيقاف بناء ميناء مبارك، والقضاء على الفساد المالي والسياسي ومحاسبة المفسدين.
توقيت الاغتيال كان معداً بدقة، سيُتهم الجميع، ستكون رسالة واضحة إلى الجميع أيضاً بأنهم متهمون بهذه التصفية الجسدية، سيشك الآخرون ببعضهم البعض، وهو ما سيُحقق في النتيجة ما يطمح إليه القتلة، ضياع دم الراحل إلى الأبد.
إلى الآن التحقيق جار من قبل السلطات الأمنية للكشف عن الجاني، هذا المطلب الذي طالب به آلاف خرجوا يوم الجمعة الماضية إلى ساحة التحرير ببغداد أو في محافظات أخرى.
في استطلاعنا هذا، محاولة لرسم صورة (المهدي) من خلال آراء لبعض المثقفين الذين تقاسموا الهم معه، محاولة للبحث عن إجابات لأسئلة محددة مفادها: (هل أصبح صوت المثقف فاعلاً في الساحة العراقية لذلك يتم استهدافه من قبل القتلة؟ وهل إن استهداف إعلامي وفنان مسرحي طالما شاكس الجميع في برنامجه الإذاعي (يا سامعين الصوت) والذي يبث من إذاعة (ديموزي) أو حتى في أعماله المسرحية، سيخفي عورة القتلة؟) أسئلة توجهنا بها لبعض أصدقاء الراحل من أجل رسم صورة جديدة عن (المهدي) ربما ستنفعنا في أن يعلق طويلاً بذاكرتنا.
مثقف نقدي
الكاتب صالح الحمداني يشير في معرض إجابته بأن للمثقف دوراً كبيراً، وكبيراً جداً، في ترسيخ القناعات لدى الناس، وفي تغيير الرأي العام، وإن أكثر ما يخشاه أعداء الحرية والديمقراطية هو المثقف، بالرغم أن هذا المثقف وفي كثير من الأحيان، لايجد تقديراً مناسباً له في المجتمع.
ويرى (الحمداني) أن آراء وأفكار المثقف النقدي لها تأثير أكبر حتى مما يتوقع، مشيراً بأنه يسمع من أشخاص يثق بهم، أنه حتى التعليقات البسيطة ( لبعض المثقفين المؤثرين) في مواقع التواصل الاجتماعي تخضع للمراقبة، وللتحليل لو شئت.
مضيفاً: ("الشهيد (هادي) كانت له كاريزما لطيفة وايجابية، وله حضور اينما تواجد، ثقافته العالية، وأنحداره من عائلة كبيرة، وتنقله بين أكثر من بلد، جعل منه إنسانا أكثر وعيا وأكثر إنسانية، وهو رجل مثابر، ومؤمن بما يقوم به، وان دراسته في اكاديمية الفنون الجميلة - التي اعتبرها معقلا من معاقل الثقافة والوعي- صقلت مواهبه، واستمراره لحد استشهاده في اكمال دراسته العليا، دليل على حيوية يفتقدها الكثير من المثقفين (الموتى).
وأوضح (الحمداني) في ختام حديثه لـ (الصباح) باعتقاده بتغير المجتمعات نحو الأفضل، وذلك عبر نماذج ثورية غير دموية مثل الشهيد (هادي)، مبيـّناً ان الشهيد كامل شياع ترك فراغا كبيرا، وان هادي المهدي جعل هذا الفراغ يبدو أوسع، معلناً إيمانه بالعراق الـ ( ولاّد) للمثقفين الواعين المبدئيين، وان الساحة العراقية الآن فيها العديد من المثقفين الشجعان، الذين يخشى أن يزورهم ( ضيوف هادي المهدي).
بروفة في جهنم
أما المخرج المسرحي قاسم السومري فتحدث عن بداية معرفته بالراحل وكيف تعرف عليه مبدعاً من خلال عرضه المسرحي المثير للجدل (بروفة في جهنم)، إذ قال: "لم أتعرف على المغدور مسرحيا الا من خلال مسرحية (بروفة في جهنم) , عرفت فيما بعد ومن خلال زملائه وأصدقائه، أنه كان مجتهدا في مجال المسرح، بل أن له أشتغالات في مجال التلفزيون والسينما" مضيفاً: "تركت مسرحيته الأخيرة أصداء طيبة في الوسط المسرحي والثقافي، وكانت مسرحية تجريبية بأمتياز بكادرها وأشتغالها، كشف فيها عن طاقة إبداعية بحاجة الى التفريغ, وإذا ما أضفنا لها الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية, أمكننا معرفة السبب في توجه بوصلته الابداعية المسرحية, بإتجاه الإعلام والنشاط المدني والسياسي, بعد أن عز عليه تسريب هذه الطاقة في مجال المسرح عشقه الاول"، مشيراً إلى أن الراحل مس في سلوكه ومتبنياته أطروحة (غرامشي) عن المثقف العضوي التي يفتقدها أغلب المثقفين العراقيين.
(السومري) أوضح أيضاً بأن أعداء الديمقراطية لايخشون أغلب المثقفين وبالأخص ذوي المواقف السلبية مما يجري اليوم, الذين لم ولن يخيفوا أحداً، مبيـّناً بأن هادي المهدي أقلق (الهؤلاء), بنشاطه الإعلامي والمدني الأكثر تأثيراً وفاعلية في المجتمع العراقي، مختتماً حديثه بقوله: "تحية أجلال وأكبار للراحلين , هادي المهدي وكامل شياع وكل الذين طالتهم أيادي الغدر (فاقدة الملامح والهوية ), من أساتذة الجامعات والعلماء وكل الشرفاء , الذين كانوا أشجع منا جميعا, في زمن شح فيه الشجعان".
الناحت بالصخر
في حين قال الناقد السينمائي كاظم مرشد السلوم: "ربما تكون صفة المشاكسة التي يمتاز بها الصديق الشهيد هادي المهدي قد طغت على عمله في مختلف المجالات، وهو المشتغل في العديد منها، وأثبت حضوراً فاعلاً فيها وكانت صفة المشاكسة هذه هي السبب في نجاحه ، و(هادي) ليس مشاكسا فحسب بل هو صاحب عزيمة وإصرار على النجاح وينحت بالصخر كي يحققه، وان معظم أعماله الفنية خصوصا المسرحية منها تتوفر على إصرار عال لتحقيق النجاح" مشيراً بأن هذه الصفات ربما امتاز بها فنانون آخرون، ولكن عندما يتحول الفنان الى جانب قضية شعبه مطالباً بتحقيق الأمن والسلام والخدمات وتوفر فرصة العمل، فالتفاوت يكون موجودا بين شخص وآخر لأن الانتماء الى قضية الشعب ليست بالمسألة الهينة، مضيفاً: "وربما يتوقف خلالها الكثيرون في منتصف الطريق بسبب تعرضهم لضغط من هذه الجهة او تلك، أو بسبب الضغط العائلي المبرر، لكن تعرض (هادي) لكل هذه الضغوط لم تثنه عن عزمه في مواصلة العمل نشاطا مدنيا ومنسقا مهما للمظاهرات التي ابتدأت منذ الخامس والعشرين من شباط، ومعها ابتدأ سيناريو استهدافه، بعد ان جعل من قضية الشعب هدفا مركزيا لحياته ، وكان يعلم ان سيناريو استهدافه يرسم بدقة بإنتظار تنفيذه، كيف لا وهو الضليع بقراءة السيناريوهات!" .
وتابع (سلوم): "كان ينتظر ان يشارك قائدا في تظاهرة التاسع من أيلول، وكان يعي ان سيناريو استهدافه قد أكتمل ، وكلماته الاخيرة على صفحته في الفيسبوك تدلل على معرفته تلك ، لكن مسألة واحدة لم يكن يعرفها او يتوقعها وهي ان يصرخ مخرج سيناريو اغتياله بكلمة أكشن في هذا التوقيت بالذات ،ليلة انطلاق المظاهرة التي ينتظر ، وهو الذي اعتاد ان يطلقها لاصدقائه من الفنانين لبدء مشهد سينمائي او مسرحي يخدم قضايا الانسان في كل مكان".
وفي معرض رده عن سؤال (هل ان صوت المثقف أصبح فاعلاً في الساحة العراقية العراقية ويخشاه الآخرين لذلك يتم اسكاته؟) قال (سلوم) "بالتأكيد فلطالما كان صوت المثقف مؤثرا وحقيقياً، تخشاه الأنظمة المختلفة، فهو صوت واعٍ، يحدد المشاكل ويضع الحلول الحقيقية والفاعلة لها، والتي في الغالب لا ترضي البعض في هذه الأنظمة، وغالبا ماتختار طريق العنف لإسكاته، وهو ماجرى مع الفقيد الراحل".
مثقف حاول على الدوام قضاء آخر ما تبقى من حياته المضطربة على أحسن حال، انغمس منذ عقود في الهم الثقافي، وبالأخص المسرح، عالمه الذي أجاد فيه وأبدع، لكن دفق الطاقة التي تغمر روحه لم يكن يسعه هذا الفن، فخاض غمار السياسة ليقطف ثمارها إعدام البعض من عائلته المنتمين لحزب الدعوة زمن الطاغية، أنه هادي المهدي، الكائن المشاكس على الدوام والخجول مثل طفل حين تنبهه الى أخطائه، العراقي الذي ترك جنة المنفى بعيد سقوط الفاشيست العام 2003 عائداً إلى وطنه، عودة انتهت بتلقيه رصاصة غادرة في رأسه من الخلف في منزله بمنطقة الكرادة قبل أربعة أيام.
(المهدي) الفنان والناشط المدني، كان من القلة الذين يفكرون بصوت عال، كاتباً كل ما يجول بخاطره على صفحته الخاصة في عالمنا الافتراضي – الفيس بوك – فضلاً عما كان يتحدث فيه إلى القنوات الفضائية، معرباً في أغلبها عن خيبته الكبيرة لما وصلتْ الحال إليه في العراق، وطنه الذي تناوشه القتلة الارهابيون سواء من تأبط سلاحه او أولئك الذين كانوا يجيدون اختيار ربطات العنق الأنيقة.
أغتيل (المهدي) ليكتمل المشهد الأخير من نبوءته، بعد أن ردد طويلاً بأن عمره سيكون قصيراً في هذه الأرض التي تقتات على لحم محبيها، الراحل وبالرغم من الجدل الذي أثاره في الكثير من مواقفه، إلا أنه تمكن من أن يوصل رسالة حقيقية للجميع بانه مؤمن بما كان يقوله، طامحاً للعيش بعراق جديد يحترم ويقدس الاختلاف، إلا إن القتلة الموتورين لم يعجبهم كم الصراحة في كلماته، فقرروا أن يردوه قتيلاً في لحظة كان يهم بها تقديم واجب الضيافة لمن ارداه برصاصة باردة.
كيف يمكنني الكتابة عن (المهدي) الذي رافقني في محنة اعتقال مُهين بُعيد انفضاض تظاهرة الخامس والعشرون من شباط المنصرم مع زملاء آخرين، صورته وهو مرمي قربي في صندوق سيارة عسكرية لا يقوى على التنفس لا تفارق رأسي إلى اليوم، محنة تحدثنا عنها آنذاك بصراحة لنكشف هول ما عانيناه بلا سبب، تحدثنا لأننا أردنا أن يكون عراقنا الجديد مختلفاً عن عراق البعث الغابر، وأن لا يندس من يمتلكون هذه الثقافة إلى مفاصل الدولة.
صدمة اغتيال صديقنا (المهدي) ما زالت حتى كتابة هذا الاستطلاع موجعة، لا لأنها غير متوقعة، وإنما لأنها كانت كما توقعنا جميعاً.
أغتيل الراحل يوم الخميس الماضي، قبل ساعات من انطلاق تظاهرات مشروعة كانت ستطالب بالمزيد من الحريات وعدم تكميم الأفواه، وانهاء الاعتداءات الخارجية على حدود اقليم كردستان، وإيقاف بناء ميناء مبارك، والقضاء على الفساد المالي والسياسي ومحاسبة المفسدين.
توقيت الاغتيال كان معداً بدقة، سيُتهم الجميع، ستكون رسالة واضحة إلى الجميع أيضاً بأنهم متهمون بهذه التصفية الجسدية، سيشك الآخرون ببعضهم البعض، وهو ما سيُحقق في النتيجة ما يطمح إليه القتلة، ضياع دم الراحل إلى الأبد.
إلى الآن التحقيق جار من قبل السلطات الأمنية للكشف عن الجاني، هذا المطلب الذي طالب به آلاف خرجوا يوم الجمعة الماضية إلى ساحة التحرير ببغداد أو في محافظات أخرى.
في استطلاعنا هذا، محاولة لرسم صورة (المهدي) من خلال آراء لبعض المثقفين الذين تقاسموا الهم معه، محاولة للبحث عن إجابات لأسئلة محددة مفادها: (هل أصبح صوت المثقف فاعلاً في الساحة العراقية لذلك يتم استهدافه من قبل القتلة؟ وهل إن استهداف إعلامي وفنان مسرحي طالما شاكس الجميع في برنامجه الإذاعي (يا سامعين الصوت) والذي يبث من إذاعة (ديموزي) أو حتى في أعماله المسرحية، سيخفي عورة القتلة؟) أسئلة توجهنا بها لبعض أصدقاء الراحل من أجل رسم صورة جديدة عن (المهدي) ربما ستنفعنا في أن يعلق طويلاً بذاكرتنا.
مثقف نقدي
الكاتب صالح الحمداني يشير في معرض إجابته بأن للمثقف دوراً كبيراً، وكبيراً جداً، في ترسيخ القناعات لدى الناس، وفي تغيير الرأي العام، وإن أكثر ما يخشاه أعداء الحرية والديمقراطية هو المثقف، بالرغم أن هذا المثقف وفي كثير من الأحيان، لايجد تقديراً مناسباً له في المجتمع.
ويرى (الحمداني) أن آراء وأفكار المثقف النقدي لها تأثير أكبر حتى مما يتوقع، مشيراً بأنه يسمع من أشخاص يثق بهم، أنه حتى التعليقات البسيطة ( لبعض المثقفين المؤثرين) في مواقع التواصل الاجتماعي تخضع للمراقبة، وللتحليل لو شئت.
مضيفاً: ("الشهيد (هادي) كانت له كاريزما لطيفة وايجابية، وله حضور اينما تواجد، ثقافته العالية، وأنحداره من عائلة كبيرة، وتنقله بين أكثر من بلد، جعل منه إنسانا أكثر وعيا وأكثر إنسانية، وهو رجل مثابر، ومؤمن بما يقوم به، وان دراسته في اكاديمية الفنون الجميلة - التي اعتبرها معقلا من معاقل الثقافة والوعي- صقلت مواهبه، واستمراره لحد استشهاده في اكمال دراسته العليا، دليل على حيوية يفتقدها الكثير من المثقفين (الموتى).
وأوضح (الحمداني) في ختام حديثه لـ (الصباح) باعتقاده بتغير المجتمعات نحو الأفضل، وذلك عبر نماذج ثورية غير دموية مثل الشهيد (هادي)، مبيـّناً ان الشهيد كامل شياع ترك فراغا كبيرا، وان هادي المهدي جعل هذا الفراغ يبدو أوسع، معلناً إيمانه بالعراق الـ ( ولاّد) للمثقفين الواعين المبدئيين، وان الساحة العراقية الآن فيها العديد من المثقفين الشجعان، الذين يخشى أن يزورهم ( ضيوف هادي المهدي).
بروفة في جهنم
أما المخرج المسرحي قاسم السومري فتحدث عن بداية معرفته بالراحل وكيف تعرف عليه مبدعاً من خلال عرضه المسرحي المثير للجدل (بروفة في جهنم)، إذ قال: "لم أتعرف على المغدور مسرحيا الا من خلال مسرحية (بروفة في جهنم) , عرفت فيما بعد ومن خلال زملائه وأصدقائه، أنه كان مجتهدا في مجال المسرح، بل أن له أشتغالات في مجال التلفزيون والسينما" مضيفاً: "تركت مسرحيته الأخيرة أصداء طيبة في الوسط المسرحي والثقافي، وكانت مسرحية تجريبية بأمتياز بكادرها وأشتغالها، كشف فيها عن طاقة إبداعية بحاجة الى التفريغ, وإذا ما أضفنا لها الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية, أمكننا معرفة السبب في توجه بوصلته الابداعية المسرحية, بإتجاه الإعلام والنشاط المدني والسياسي, بعد أن عز عليه تسريب هذه الطاقة في مجال المسرح عشقه الاول"، مشيراً إلى أن الراحل مس في سلوكه ومتبنياته أطروحة (غرامشي) عن المثقف العضوي التي يفتقدها أغلب المثقفين العراقيين.
(السومري) أوضح أيضاً بأن أعداء الديمقراطية لايخشون أغلب المثقفين وبالأخص ذوي المواقف السلبية مما يجري اليوم, الذين لم ولن يخيفوا أحداً، مبيـّناً بأن هادي المهدي أقلق (الهؤلاء), بنشاطه الإعلامي والمدني الأكثر تأثيراً وفاعلية في المجتمع العراقي، مختتماً حديثه بقوله: "تحية أجلال وأكبار للراحلين , هادي المهدي وكامل شياع وكل الذين طالتهم أيادي الغدر (فاقدة الملامح والهوية ), من أساتذة الجامعات والعلماء وكل الشرفاء , الذين كانوا أشجع منا جميعا, في زمن شح فيه الشجعان".
الناحت بالصخر
في حين قال الناقد السينمائي كاظم مرشد السلوم: "ربما تكون صفة المشاكسة التي يمتاز بها الصديق الشهيد هادي المهدي قد طغت على عمله في مختلف المجالات، وهو المشتغل في العديد منها، وأثبت حضوراً فاعلاً فيها وكانت صفة المشاكسة هذه هي السبب في نجاحه ، و(هادي) ليس مشاكسا فحسب بل هو صاحب عزيمة وإصرار على النجاح وينحت بالصخر كي يحققه، وان معظم أعماله الفنية خصوصا المسرحية منها تتوفر على إصرار عال لتحقيق النجاح" مشيراً بأن هذه الصفات ربما امتاز بها فنانون آخرون، ولكن عندما يتحول الفنان الى جانب قضية شعبه مطالباً بتحقيق الأمن والسلام والخدمات وتوفر فرصة العمل، فالتفاوت يكون موجودا بين شخص وآخر لأن الانتماء الى قضية الشعب ليست بالمسألة الهينة، مضيفاً: "وربما يتوقف خلالها الكثيرون في منتصف الطريق بسبب تعرضهم لضغط من هذه الجهة او تلك، أو بسبب الضغط العائلي المبرر، لكن تعرض (هادي) لكل هذه الضغوط لم تثنه عن عزمه في مواصلة العمل نشاطا مدنيا ومنسقا مهما للمظاهرات التي ابتدأت منذ الخامس والعشرين من شباط، ومعها ابتدأ سيناريو استهدافه، بعد ان جعل من قضية الشعب هدفا مركزيا لحياته ، وكان يعلم ان سيناريو استهدافه يرسم بدقة بإنتظار تنفيذه، كيف لا وهو الضليع بقراءة السيناريوهات!" .
وتابع (سلوم): "كان ينتظر ان يشارك قائدا في تظاهرة التاسع من أيلول، وكان يعي ان سيناريو استهدافه قد أكتمل ، وكلماته الاخيرة على صفحته في الفيسبوك تدلل على معرفته تلك ، لكن مسألة واحدة لم يكن يعرفها او يتوقعها وهي ان يصرخ مخرج سيناريو اغتياله بكلمة أكشن في هذا التوقيت بالذات ،ليلة انطلاق المظاهرة التي ينتظر ، وهو الذي اعتاد ان يطلقها لاصدقائه من الفنانين لبدء مشهد سينمائي او مسرحي يخدم قضايا الانسان في كل مكان".
وفي معرض رده عن سؤال (هل ان صوت المثقف أصبح فاعلاً في الساحة العراقية العراقية ويخشاه الآخرين لذلك يتم اسكاته؟) قال (سلوم) "بالتأكيد فلطالما كان صوت المثقف مؤثرا وحقيقياً، تخشاه الأنظمة المختلفة، فهو صوت واعٍ، يحدد المشاكل ويضع الحلول الحقيقية والفاعلة لها، والتي في الغالب لا ترضي البعض في هذه الأنظمة، وغالبا ماتختار طريق العنف لإسكاته، وهو ماجرى مع الفقيد الراحل".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق