الأحد، 11 سبتمبر 2011

هادي المهدي ...تحت نصب التشريح!


من وجيه عباس
سآخذ من ساحة التحرير نصب الحرية،ومن الكرادة خطواتك التي هربت بها لطواف آخر الرحيل،سأستعير من صراخك الهدوء،ومن كلماتك ما أوقظ به الملائكة،من محل الحادث سآخذ ظرفين فارغين لمسدس همس في رأسك كلمتين،أو قل: فتح في هامتك نافذتين لتبصر أيامك وهي تتساقط تحت خطوات هروبهم،سأستعير كوب شايك الذي لم تشربه انت وقاتلك!،وربما قهوتك التي بردت مثل دمك الآن،سأحمل معي تراباً من كربلاء،وتراباً من مقبرة السلام،وفي ذاكرتي بعض القمح الذي جلبته من بقيع الغرقد،سأقبض براحتي على كومةرماد من تنور أمك الذي يحن الى السعف،سأستعير من دجلة طاسة ماء،ومن الفرات قبضة طين،سأستعير بحّة داخل حسن وهو ينوح:يمة يايمة مانمت ليلي هذا اليمر عليج يايمة،سأستعير ناي خضر الياس وهو يبكي على صوت حمدية صالح عشر مرات وهي تصيح :يمة يايمة...سأحمل دمعة حامد المالكي وهو يطبر راسه بصراخ اعمى،سأوقف العربات لتمر رائحتك التي مرت على جسر الديوانية،سأجمع ماتناثر من قطرات دمك التي فزَّت مثل خيل ايامك لتترك هذا الجسد المثقل بالشتائم الوطنية،سأحملني بكل قلبي الذي يشبه قلب أمي فاطمة،سأستعير شيلتها لأعصبها حول رأسك المنخور بالرصاص،وسأستعير منها وأقول لها: دخيلج علوية اريد عباتج اغطّي بها هذا النائم في الطب العدلي لانه اخي الذي لم تلديه،ساقرأ فوق كومة اللحم الملفوف بأكفان التشريح دعاء الندبة،لاأدري من أندب لأجلك؟ هل أندب الله الرحيم الذي رحم الحكومات من صوتك؟أم محمد العظيم وهو يرى تفرّق أمته في الجميع؟ لكني لأجل غضبك وتكاثر الساقطين عليك سأندب علياً وهو يلم ماتساقط من محرابه تحت دم صلاته،أو ربما سأندب الحسين وهو يبصر رأسه فوق رمح الحكومات،إذن لنتفق معاً على أننا سنندب حظنا فيك،فهذا مانحسنه نحن الذين تناسيناك وأنت تبحث عن ميتة تليق بمخرج مسرحي،سأحمل كل المرفقات الى حضن أمك الذي خرجت منه الى ساحة التحرير وأقول لك: ياهادي المهدي:دير بالك يمعوّد!!.
فيروزتغني:هادي بعدو زغير...هادي...،يرتفع صوت حسن بريسم ببحّة داخل حسن:بوية سعد يابوبه!!،وهناك من أقصى شارع الحبوبي تطير الحمامات وهي تنثر اصواتها فوق روحك:وك لاولك،لاله اعله بختك..هادي سالوفة صرت بين الطوايف ياحريمة....ليس هذا أوان الغياب،مارس معنا مكيدة الحضور لنرثي غيابنا،الشوارع التي عرفتك ليس باستطاعتها نسيان وجودك وكأنك لم تمر على وجهها،تدري،وندري أن الذئاب تترصد رائحة حقيبتك وحذائك الذي فارق قدميك وأنت تحمل صليبك فوق ظهرك من أول الغربة الى آخر المنفى في وطنك!،أيها الناقوس الذي لايدق فوق كنيسة الغفران،ايها الغفران الذي يتنكّر لذنوب الماء،دخيل الحمزة ابو حزامين :لمن سوف تترك حذاءك غريباً في الطب العدلي وهو يلتحق بأحذية الموتى الذين ذهبوا حفاة الى قبورهم؟،أخشى أن تنتبه الصناعات الجلدية على هذا الإعلان المجاني الذي مسرحه موتك الهاديء ايها الصارخ في الخرسان،مع كل ماتقدم سأقول لك الكلمة التي لانملك سواها:دير بالك يمعوّد،ولاادري حتى الان ياهادي هل درت بالك ام لا حين أوهمتك الطلقتان انهما من ماء أحمر ليس الا!!
لمنع هادي المهدي من حضور تظاهرة الأحياء،تم إصدار مرسوم جنائزي بمنحه صفة(مشاغب)،ولتنفيذ هذا القرار،تم حجز أيامه المنقولة وغير المنقولة،قرر القاتل منحه تأشيرة سفر إلى جهة واحدة،العملية السياسية بحاجة الى بعض الهدوء من أجل أن يتفرغ الجميع لخدمة الجميع!،الضجيج لايخدم الوضع العراقي الذي يجلس على كرسي وحيد القرن،دم من فم مليء بالضجيج قربانٌ رخيصٌ من أجل الحل السلمي لجميع مشاكل البلاد التي تلبس السواد صبيحة كل يوم وهي تحمل(مسواكَـ) شوارعها الى مقابر المسلمين!.
مشهد أول:تدخل جثة هادي المهدي الى غرفة التشريح، يفتح المنشار ستارة العرض او الصدر،يمد الطبيب العدلي يديه ليبحث عن دليل مادي يثبت تورط هذا المغدور في حوادث القتل الطائفي منذ جلجامش وحتى إطريمش!،تتلمس يداه بياض قلبك فتتعطل كاميرات المراقبة كما تعطلت يوم 8/9 في الكرادة! يفتح عينيك ويصورها،ربما اقنع نفسه ان سيجد صور المتآمرين على سقوط الامبراطورية الرومانية في عقرقوف،يصور يديك بكاشف المواد المتفجرة علّه يجد دليلا واحدا على انك زرعت عبوة ناسفة او قمت بتفخيخ العملية السياسية،يجد يدك بيضاء من غير رشوة او أنها مارست الكَدية الصحفية والوقوف على أبواب السياسيين!،الطبيب يجد نفسه مضطراً لغسل يديه من التوجيهات والتعليمات الحزبية،يخيط صدرك مثل ثوب العازة الذي لايستر الا غرزات الابر التي تلم صدرك المترع بالألم،اي غرزات باستطاعتها اغلاق جروف حزنك ياهادي؟ يرمي الطبيب اغراضه ويدفعك الى حيث ينام رفاق ليلتك الاخيرة فوق وجه الطب العدلي.....
بعد منتصف الليل،تنهض وحيدا تتلفت مثل قط بري،تطلق صوتك المجلجل وانت توقظ الموتى من نومتهم الابدية:
- ولكم ليش نايمين؟ ليش انتو جنتوا عايشين يحظّي؟ لكّم طفوا التبريد خوات القحبة...بالحياة لعبتوا بينه طوبة بس من نموت تدزونه لكَبورنه جامدين...شنو احنه بالقطب الجنوبي؟سرسرية؟،نريد حراراة تمثيل،منو شايل موبايل وياه محد بأكَه منه؟؟زين منين نجيب رصيد ؟ الطب العدلي لايؤمّن شبكة اتصال الا مع شركة قبور...كوم....أعزائي المشاهدين الموتى تجمعوا تحت نصب التشريح،انا مخرج مسرحي ولااريد ان يناقشني احد في رؤيته،اريد ان امارس ديكتاتورية المخرج في زمن موت المؤلف والممثل والجمهور،هوايه يتوهمون انهم مخرجون وهم عبارة عن زبالة،انت اخوية شسمك؟عبود...تعال يحظي..هو اني بالحياة مانمت ويه واحد اسمه جورج تريدني اموت ويه واحد اسمه سميث!...عبود جيب الجفن مالتك وخلينه نخط عليه شعار التظاهرة...خلي نسميهه جمعة الموتى...[من أجل موت مريح...العراقيون يتظاهرون تحت نصب التشريح ويطالبون الحكومة العراقية بتنفيذ مطالب الموتى...
لا للتبريد..
لا للتشريح...
لا للعب بقلاقيل الجثث،
لا للمحاصصة والمماصصة،
لا للقطن المستورد في جثث الموت،
للموتى حق في الدفن كما للاحياء حق في موت وطني،
تسقط حكومة السديات السريعة،
تسقط حكومة التوابيت الشعبية].
عبود المتوفي من مرض الفقر يقول له: بوية انته امنين اجيتنه؟ هيه اخر ليلة كَلنه ننام بيهه بالبرد... خربتهه علينه؟زين منين نجيب (بوية حمرة) نكتب بيهه؟
- قيم الرقاع من ديرة هلي...يعمّر الموتى مادمره الاحياء...وينك وجيه؟[اخ الكَحّة تريد تموّتني وياك؟]...ضحكتك لاتزال ترن في اذني...يلتفت الى الموتى المتظاهرين:إستخدموا دماءكم حبرا سريا لايبصره الدفانون والجلادون والقتلة والصكاكون والعلاسون والقصابون،اكتبوا وصاياكم ووقّعوا،كل وصية من دون توقيع هي صك بدون رصيد يجعلك مسائلا امام السيد منكر والمبجل نكير،هسه احنه ماخلّصنه من عبد حمود وخلفاءه انوب نروح على شرطة الآخرة؟
يرفع الجميع اكفانهم وهم عراة ويدقون الباب الرئيس لمعهد الطب العدلي ليخرجوا الى الباب المعظم فيجدون قوات الطواريء تطوّق ساحة التحرير،ساحة التشريح خشية ان يمر نعشك الغافي،يقفون لك بالمرصاد فترجعون الى اماكنكم من اجل موت محترم!.
مشهد ثان: يقف الجميع خلف السدية التي حملت جسدك،ويقولون:اللهم ارحم هذا الغافي بين يديك،صوت الفقراء الذي شتم الجميع من اجلهم لانه لايملك سلاحاً آخر،اللهم تجاوز عن سيئاته،ياغافر الخطايا،اغفر لمن لايملك الا صوته وقلبه الذي كان يبكي للأمهات،أنك إن تحاسبه بعدلك فقد هلك،وإن تحاسبه بفضلك فأنت أرحم الراحمين،إرحم غربته وحيدا في حفرته تحرسه القلوب بأدعيتها،والعيون بمدامعها،هذا المشرق السمين الذي كان أشبه بعراق يتيم،العراق الذي قتله عاد ليعتذر منه ويقف في الصلاة عليه وحيداً حيث لاوطن للغرباء.
مشهد أخير: ياهادي المهدي:نمْ فموتك ايقظ الجيران،كل ليلة جمعة سوف ينتظرك الكثير،سيجارتك المصابة بفقر النيكوتين لن تفارق اصبعك المعقوفة على راحة يدك من الالم،ربما حملت معها قبضة من حزن امك،وشوقك لولدك وغدر قاتلك الذي ربما يكون صديقك،ايها الولد الشقي في غابة العقلاء،ياصديقي في الجنون "بيه حجي الماينحجي،وبيه بجي الماينبجي،بيه سوالف من زغر متعلّمة اعله السكتة"،كيف يمكن لي ان اسكت ولااخجل من صوتك وأنت توقظني لتقول لي:دير بالك يمعوّد.
دخيل الله...دخيل العباس....دخيل الحمزة...اتركنا لنعيش بدون صوتك سنوات قليلة قبل ان تقتلنا العصابات بعدك...،اتركنا نهدأ قليلا مثل (حصن الريسزز) قبل ان يمتطينا الاخرون حميرا للديمقراطية..،اتركنا نلتفت الى اهلنا خشية هروبهم لعدم وجود معيل لهم ،أدري إبتلينه بيك ياسرطاننا الوطني؟ خطابك الوطني تنازلت عنه جميع القنوات التي كنت (تهوّس)فيها حيا،والان يبثون القران ثلاثة ايام لنؤمن انهم حزنانو حد اللعنة،لماذا لم تقتنع ان وطنك حيث يحتضنك احد اطفالك ويضع اصبعه الصغير براحة كفك حين ينطفيء العالم؟
المقابر لايشبعها لحمك المر،مت لانك تستحق الحياة،وغيرك يستحق النسيان ياقائد الخونة الوطنيين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق